ابن عجيبة

279

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

مكانه ، ومن كان معي فليعتزل ، فاعتزلوا جميعا غير رجلين . ثم قال : يا أرض خذيهم ، فأخذتهم إلى الأوساط ، ثم قال : خذيهم ، فأخذتهم إلى الأعناق ، وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى ، ويناشدونه باللّه وبالرحم ، وموسى لا يلتفت إليهم ؛ لشدة غضبه ، ثم قال : خذيهم ، فانطبقت عليهم . فقال اللّه تعالى : يا موسى ؛ استغاث بك مرارا فلم ترحمه ، فوعزتي لو استرحمنى مرة لرحمته « 1 » . روى أنه يخسف كل يوم قامة ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ، فقال بعض بني إسرائيل : إنما أهلكه ليرث داره وكنوزه ، فدعى اللّه تعالى فخسف بداره وكنوزه ، وأوحى اللّه تعالى إلى موسى : إني لا أعبّد الأرض أحدا بعدك أبدا ، أي : لا آمرها تطيع أحدا بعدك . فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ ؛ جماعة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؛ يمنعونه من عذاب اللّه ، وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ من عذاب اللّه ، أو : من المنتقمين من موسى . وَأَصْبَحَ أي : وصار الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ أي : منزلته من الدنيا بِالْأَمْسِ : متعلق بتمنوا . ولم يرد به اليوم الذي قبل يومك ، ولكن الوقت القريب ، استعارة . يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ أي : أعجب مما صنع بقارون ، ؛ لأن اللّه يبسط الرزق لمن يشاء ، وهو عنده ممقوت ، وَيَقْدِرُ أي : يضيقه على من يشاء ، وهو عنده محبوب . لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ؛ بصرف ما كنا نتمناه بالأمس ، لَخَسَفَ بِنا معه ، كما فعل بالرجلين ، وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ أي : أعجب لعدم فلاح الكافرين . قال الرضى : كأن المخاطب كان يدعى أنهم يفلحون ، فقال له : عجبا منك ، فسئل : لم تتعجب منه ؟ فقال : إنه لا يفلح الكافرون ، فحذف حرف الجار . وقال ابن عزيز : ويكأن اللّه معناه : ألم تر أن اللّه . واقتصر عليه البخاري « 2 » . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : في الآية ترهيب من التعمق في زينة الدنيا ، والتكاثر بها . ومن تمنى ما لأربابها من غرور زخرفها ، وترغيب في الزهد فيها ، وإيثار الفقر على الغنى ، والتبذل والتخشن على ملاذ ملابسها ومطاعمها . قال الشيخ العارف ؛ سيدي عبد الرحمن بن يوسف اللجائى في كتابه : اعلم أن الدنيا إذا عظمت وجلّت في قلب عبد ، فإن ذلك العبد يعظم قدر من أقبلت عليه الدنيا ، ويتمنى أن ينال منها ما نال ، فإن كل انسان يعظم ما اشتهت نفسه .

--> ( 1 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 6 / 224 ) وانظر تفسير ابن كثير ( 3 / 401 ) . قلت : وهذه الرواية تجعل سبب الخسف بقارون هو غضب سيدنا موسى لنفسه ، لكن القرآن الكريم ، والأحاديث الصحيحة تبرهن على أن سبب الخسف به هو التكبر على اللّه تعالى ، والتكبر على الناس . ( 2 ) انظر فتح الباري ( كتاب التفسير ، سورة القصص ، باب . إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ 8 / 369 ) .